Thursday, July 28, 2011

أروع محاكمة على مر التاريخ

أروع محاكمة على مر التاريخ
من كتاب ( قصص من التاريخ ) للشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله ،
وأصلها التاريخي في الصفحة 411 من ( فتوح البلدان ) للبلاذري ، طبعة مصر سنة 1932 م .

في عهد الخليفة الصالح "عمر بن عبد العزيز" ، أرسل أهل سمرقند رسولهم إليه بعد دخول الجيش الإسلامي لأراضيهم دون إنذار أو دعوة ، فكتب مع رسولهم للقاضي أن احكم بينهم ، فكانت هذه القصة التي تعتبر من الأساطير.
وعند حضور اطراف الدعوى لدى القاضى ، كانت هذه الصورة للمحكمة:
صاح الغلام : يا قتيبة ( بلا لقب )
فجاء قتيبة ، وجلس هو وكبير الكهنة السمرقندي أمام القاضي جميعا
ثم قال القاضي : ما دعواك يا سمرقندي ؟
قال السمرقندي: اجتاحنا قتيبة بجيشه ، ولم يدعُـنا إلى الإسلام ويمهلنا حتى ننظر في أمرنا ..
التفت القاضي إلى قتيبة وقال : وما تقول في هذا يا قتيبة ؟
قال قتيبة : الحرب خدعة ، وهذا بلد عظيم ، وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ، ولم يقبلوا بالجزية ..
قال القاضي : يا قتيبة ، هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب ؟
قال قتيبة : لا ، إنما باغتناهم لما ذكرت لك ..
قال القاضي : أراك قد أقررت ، وإذا أقر المدعي عليه انتهت المحاكمة ؛
يا قتيبة ما نـَصَرَ الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل.
ثم قال القاضي : قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء ، وأن تترك الدكاكين والدور ، وأنْ لا يبقى في سمرقند أحد ، على أنْ ينذرهم المسلمون بعد ذلك !!
لم يصدق الكهنة ما شاهدوه وسمعوه ، فلا شهود ولا أدلة ، ولم تدم المحاكمة إلا دقائقَ معدودة ،
ولم يشعروا إلا والقاضي والغلام وقتيبة ينصرفون أمامهم.
وبعد ساعات قليلة ، سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو ، وأصوات ترتفع ، وغبار يعم الجنبات ، ورايات تلوح خلال الغبار ، فسألوا ، فقيل لهم : إنَّ الحكم قد نُفِذَ وأنَّ الجيش قد انسحب ، في مشهدٍ تقشعر منه جلود الذين شاهدوه أو سمعوا به.
وما إنْ غرُبت شمس ذلك اليوم ، إلا والكلاب تتجول بطرق سمرقند الخالية ، وصوت بكاءٍ يُسمع في كل بيتٍ على خروج تلك الأمة العادلة الرحيمة من بلدهم ، ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر ، حتى خرجوا أفواجاً وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يرددون شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فيا الله ما أعظمها من قصة ، وما أنصعها من صفحة من صفحات تاريخنا المشرق ،
أرأيتم جيشاً يفتح مدينة ، ثم يشتكي أهل المدينة للدولة المنتصرة ، فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر بالخروج ؟
والله لا نعلم شبها لهذا الموقف لأمة من الأمم .

Saturday, July 16, 2011

قــديــمــك ...... نــديــمــك

بالأمس كنت مع أحد الأشخاص الذين يحتلون في القلب مكانة خاصة، فهو بمثابة الأخ و أكثر مما يمكن وصفه. كنا في طريق عودتنا إلى المنزل. وقتها كان صوت أبو خالد (المطرب / عبدالله الرويشد) يتغني بإحدى أغنياته القديمة الجميلة.

فقلت له: إن هذه الأغنية تذكرني بأيام زمان.
فرد علي معـقـباً : أيام زمان كانت حلوة.

إنتابني شعور حزين و مؤلم، و لا أخفيكم أن (حسن) قد صدق بما يقول.



لقد إجتاحت التكنولوجيا حياتنا بشكل جعلنا كالقرية الصغيرة، فأنت في مكانك تصلك أخبار من هم بعيدين عنك في لحظات، و تتواصل معهم بشتى الطرق فبداية بالحمام الزاجل، ثم الرسائل، و من بعدها جاء التلكس، و اخترع جراهام بيل الهاتف، ثم بدأ التقدم العلمي و التكنولوجي، لنصل إلى الهواتف النقالة، بشتى أنواعها و أشكالها ، و لاننسى خدمة الإنترنت التي جعلت كل ما نعيشه في حياتنا سهلاً. لقد تغيرت حياتنا شكلاً و مضموناً، فليس الناس الذين يعيشون هذه الأيام، هم نفس الناس الذين نعرفهم.
لقد كان للمتغيرات السياسية ، و الإجتماعية ، و الإقتصادية أثراً كبيراً في حياتنا. أيام زمان كان الواحد من الناس يمشي و نيته أمامه، لا يكره لأحد الخير، بل وصل لدرجة أن البائع في السوق عندما يبيع لأحد و قد نال ماناله من رزق في الصباح أن يطلب من المشتري أن يذهب لصاحب المحل المجاور أن يشتري منه (هل رأيتم كيف كانت القلوب صافية و نقية؟) لا تشوبها شائبة .
و الجار كان يسأل عن جاره الذي يسكن جواره، يعرف عنه كل أخباره فيفرح لفرحه، و يحزن لحزنه. و لمن أراد أن يعرف عن تلك الأيام فليسأل من كان أكبر منهل يحكي له عن تلك الأيام الجميلة. أيام زمان البيوت كلها مفتوحة على بعض، لدرجة إن الجــار يسـتأمن جاره في غـيـبته، و كل بـيـت زيارات، وتواصل، و مساعدات وقت الحاجة ..... إلخ. 


أي شيء في أيام زمان كان جميل رغم بساطتها و أسلوبها الكلاسيكي، و ذوقــها الرفيع الذي يعيش فيها الإنسان عـبـق الـماضـي و الأصالة، و حتى تعقيداتها وأسلوبها التقليدي (اليدوي) سواء في الحساب، و الحفظ، و المراجعة للفرد كانت تنمي فيك روح الحرص، الدقة في العمل أو الدراسة، الجيل الماضي تميز بأنه يصنع لنفسه الحلول حتى لا يبقى على حاله.  



أما اليوم فقد أصبح كل منا لا يملك نفسه، فأصبح لاهياً في عمله، و شغله، و مشاكله التي لا تنتهي (حسب رأيه)، مما ادى إلى قلة الزيارات الإجتماعية بين الأهل و الأصدقاء لدرجة أنه لا يرى الناس بعضهم البعض إلا في المناسبات، و المواسم. و منا لايسأل عن جاره، و لا تراه إلا يوم الجمعة و بعد الصلاة. اليوم صارت الأمانة نادرة لدرجة مما يمكن للواحد منا تخيلها، و صار من تزرع له الخير، يرد لك إياه بشر الجزاء، دنيا غريبة ما تعرف أنصاف الحلول يا تكون أو ما تكون.


و المجال لا يتسع للمزيد، إنما أردت أن أختصر، فالجميع يعي مسؤولية ما يجب أن يقدمه الإنسان لدينه و مجتمعه.


قفلة:

موسم عظيم، و ضيف كريم سيقبل بعد أيام، فـلنـطـهر قـلـوبنا، و نـصـفي نـوايانا، و لـنـتـذكر من كانوا حولنا سواء كانوا أحياء أو أموات، و لنذكرهم بالرحمة و المغفرة، و أن لاننساهم من أعمالنا الصالحة. اللهم أتم علينا شعبان و بلغنا رمضان، و أعنا فيه على صيامه، و قيامه، و طاعته. و كل عام و أنتم بخير.





كتبها و أعدها: أحمد عبدالله المقدم باحميد.